الحرية لسجين الرأي حنفي ولد دهاه

الأسبوع الثاني.. حتى ولو كان الدهر كله فأنت الأقوى يا حنفي

الخميس، 31 ديسمبر 2009

تحية إلى أخي الذي لم تلده أمي/نعمة عمر

اخي العزيز "حنفي"، لقد شاء القدر أن أكون في نفس الزنزانة التي تقضي فيها أنت بقية حبسك التحكمي، بعد أن فضحت الأيام فترة محكوميتك، لقد كانت نفس التهمة، (القذف والسب.....إلخ)، أشبهت حالك حالي وحكى عذري عذرك، وإنه لنفس الخصم..

في حالتك تقمص وجها إفريقا يمتشق قبعة حمراء ويواظب الصلاة في المسجد رغم كرهه للعرب والعروبة، كان خصمك سياسي، بامتياز، ومرتزق بامتياز، تأبط ذات يوم قلمه وحنجرته دفاعا عن حرية مستلبة وضحايا قتل جماعي عدموا لمجرد أنهم فكروا في تنفيذ انقلاب عسكري كما يزعم، إنها نفس التهمة التي استفاد اصحابها من العفو لمجرد أنهم من العرب (البيظان، أو البربر) أو كما يقول هو، تعددت الأسباب ولا الموت واحد.
أما في حالتي أنا فقد تقمص صاحب المليار الذي تعهد بسجني ذات يوم دور الملاك، وبكى لأنني جرحته بقلمي، وفي علاقة يبدو انها متعدية وهلامية وصلت الإساءة إلى من هم بطبيعة الحال أنصاف شياطين لمجرد أنني قلت الحقيقة عن قصد أو عن غير قصد أو قيلت بالنيابة عني.. ومهما تعددت الأشكال فلخصمينا معا نياشين وألقاب، قلاع ورماة، وسجن يتمدد ويكبر لياخذ بعدا زئبقيا، يرفض لكل عابر سبيل أن يردد مع ولد امسيكه "لن يطول بي المقام"، لكن حاضرة لبراكنه هذه المرة ستكون عاصمة ثالثة لتقييد الحريات، بعد أن قُيِدَت السياسة والإقتصاد، بدعوى محاربة الفساد أوالتطاول على الذات الرئاسية، ولو كانت هذه الذات مجرد جسم خلاسي بالكاد يعرف أن العفو عند المقدرة.ومهما كبلوك أخي حنفي ستبقى أعظم من الجميع لأنك لم تستجد ذاك المقدس، وقبلت أن تعيش في نفس العنبر مع زملائي رفاق السجني الطيبين (همر فال، مغتصب وقاتل، انجاي كان مهرب كوكايين وقاتل) لكم ستشعر أخي انهم اكثر آدمية من سجانيك، وأن من مهازل الأقدار أن يلعب كل منا دور الآخر، وأن يكون أحدنا في الزمان والمكان الخطأ، قد يرفع أحدهم الأذان ولا يحضر فضل الجماعة، ويسأله القاضي باحثا له عن مخرج: "هل كنت بفعلتك تسعى لتغيير المنكر"، فيأتي الرد مزلزلا "حاشى لله"، ترى إذن مَنْ أحق بأن يلعب هذا الدور إن كانت المسافة بين التهور والحكمة تطول وتقصر عند الرغبة الجامحة في الخروج على الشرعية، باسم الشعب أحيانا وباسم الرب أحايين كثيرة "طاعة ولي الأمر واجبة"، أو كما عودنا الآكلون من مرق السلطان ومن أكل من مرق السلطان احترقت شفتاه فعجز عن قول الحق، أو كما قال الإمام أحمد بن حمبل، وإلى أن يتحدد مَنْ منا احق بأن يلعب دور السجان أو المسجون، سيحرق "نيرون" روما، ويكتفي "بوكار" بمملكته التي من ثقبها يراقب حركة الشمس، ولو كانت تلك المملكة مجرد برميل قمامة.

بيان من حنفي ولد دهاه

غربة عام في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت عودتي إلي أرض الوطن موعدا لي مع سجن لا يبرره إلا أن "الانقلابيين" رأوا في صحيفة "تقدمي" الالكترونية التي أديرها أداة جسورة حين تنحاز للوطن، وتقف رصدا في وجه كل ما من شأنه أن يئد حلمه الديمقراطي، الذي أثمر غرسه أول انتخاب لرئيس مدني

وهو ما كلل مسيرة النضال الطويلة، التي سقي الأحرار من أبناء الوطن أرضها اليباب عرقا ودماء، وأغمضوا عيونهم علي القذى آملين أن تتطلع يوما إلي سماء الحرية التي ليست في متناول أيدي الأقزام.
لقد كان لصحيفة تقدمي التي أديرها شرف حماية ذمار الديمقراطية التي اغتصب الانقلابيون عذاراها، بكشفها لكل ألاعيب المتسترين بالأيام، والمتخذين من القمع وسيلة للحجر على العقول..
ورغم أن صحيفتنا تعرضت في فترة المحترم سيدي ولد الشيخ عبد الله للكثير من المضايقات بسبب جرأتها في النقد وفي ما كانت تنشره من أخبار، لقناعتها أن دور الصحافة هو في وضع هناء رقابتها علي نقب الأنظمة السياسية، إذ ليس من مسؤوليتها سوي التنبيه علي النصف الفارغ من الكأس، وللصحافة الرسمية إن شاءت أن تتغنى بالمملوء منها.. رغم ذلك فإننا لم نتعرض خلال ذلك العهد المأسوف عليه لسجن أو تنكيل.
بعد اعتقالي الذي تم بحجة شكوي مقدمة من السياسي صار ابراهيما مختار وسجني الذي كان إثر إدانتي بالمساس بالأخلاق الحسنة، استوفيتها شهورا ستة، تعرضت فيها لكل صنوف الهوان والامتهان، وتجرعت فيها غلل النكاية والإذاية، وأرتني فيها الأيام قساوة الإنسان حين توغر صدره الأحقاد على أخيه الإنسان... ستة أشهر كنت فيها مثل كل السجناء أربي الأمل، كما يربي الرعاة ضأنهم، ثم لا ترضي يد الدهر الخرقاء أن تُجد كما تبلي، فإذا بي أتعرض للمرة الثانية لسجن تحكمي، بعد كل ما طبع ملفي من خروقات وتجاوزات قانونية.
ورغم أنني مستعد لأن أُسلم روحي ثمنا لإيماني العميق بقيم الديمقراطية ورفضي الذي لا يعرف حدودا لجبروت الديكتاتورية وصلفها فإنني أعلن احتجاجي على السجن التحكمي الذي يعتبر أنكي ضروب الاستبداد، من خلال الدخول ابتداء من اليوم الأحد 27/12/2009 في إضراب مفتوح عن الطعام، إلى أن يرفع عني هذا الظلم، الذي لا يبرره سوي الانتقام مني بسبب موقفي المناوئ للانقلاب، رغم أنه أكثر المواقف التي أتشرف بها في مسيرة نضالي من اجل الحرية.
ثم لا يسعني إلا أن اشكر كل النقابات والمنظمات والشخصيات التي شدت أزري خلال معركتي هذه من اجل صحافة لا تبتر شفاهها ولا تسمل عيونها ولا يدفعها إحباطها لأن تتثاءب.. وعهدي أن لا أخيب أمل الكلمة.
حنفي ولد دهاه
سجن دار النعيم
نواكشوط 27 دجمبر 2009

انقضاء 6أشهر علي سجن حنفي ونقابة الصحفيين تشكل خلية أزمة لمتابعة القضية

انتهت اليوم الخميس عند الساعة الثالثة فترة الستة أشهر التي حكمت بها الغرفة الجزائية على المدير الناشر لصحيفة تقدمي الألكترونية ولم يطلق سراحه إلي حد الساعة ولم يصل ملفه الفضائي لحد الأن إلي القاضي ولد لزغم حسب ما أفاد به مصدر من هيئة الدفاع مما أثار قلقا ومخاوف من حبسه تحكميا.
وفي نفس السياق شكلت نقابة الصحفيين الموريتانيين خلية أزمة لمتابعة قضية حنفي ولد دهاه.;وصرح نقيبها الحسين ولد مدو قائلا:
ِ " نحن نرفض أي قرار من شانه الابقاء على الزميل حنفي داخل السجن، وسنواجهه بما يناسبه من احتجاجات متواصلة واعتصامات متتالية لغاية تمكيه فورا من حريته"
وكانت الغرفة الجزائية بمحكمة ولاية انواكشوط قد أصدرت حكما بحبس حنفي منذ ستة أشهر وببرائته من تهم القذف والتحريض علي العنف.

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

المحكمة تؤكد الحكم علي حنفي ..وتوقعات بإطلاق سراحه يوم 17ديسمبر القادم


جرت اليوم 23 نفمبر بقاعةالمحكمة بانواكشوط وقائع محاكمة الصحفي حنفي ولد دهاه المدير الناشر لصحيفة تقدمي وأكدت الغرفة الجزائية بمحكمة الإستئناف الحكم الصادر بحقه والذي صدر قبل أشهر عن المحكمة الإبتدائيةالتي اتهمته بالمساس بالأخلاق الحسنة وقضت بسجنه 6أشهر نافذة .
وقد القى حنفي ولد دهاه مداخلة نالت إعجاب من بداخل القاعة وكذلك مرافعات فريق الدفاع المكون من ابراهيم ولد ابتى ومحمد ولد المختار محمد لمين ولد احمد لمرابط .
يذكر أنه إذا لم يتم تعقيب على هذا الحكم قبل 15 يوما فسيتم إطلاق سراح حنفي يوم 17 ديسمبر القادم .
وكانت قضية حنفي ولد دهاه قد بدأت عندما اعتقل في 18يونيو الماضي بذريعة أن الصحفي الرئيس صار إبراهيما قد تقدم بشكوى ضده .

السبت، 21 نوفمبر 2009

رئيسان موريتانيان يوقعان علي عريضة إطلاق سراح حنفي ولد دهاه


وقع الرئيسان السابقان لموريتانيا، سيدي ولد الشيخ عبد الله ،واعل ولد محمد فال، حديثا، علي عريضة إطلاق سراح حنفي ولد دهاه التي أطلقها جمع من المثقفين و الحقوقيين.

وتطالب الوثيقة بإطلاق سراح المدير الناشر لصحيفة تقدمي الذي يقضي فترة سجن ستة أشهر تحت عقوبة نشر غير أخلاقي وهي العقوبة التي لم تطبق بنص خاص بقانون المواقع الألكترونية إذ لا يتوفر بعد في القانون الموريتاني.

وكان عدة حقوقيين وسياسيين من بينهم قادة أحزاب المعارضة ومثقفون وسياسيون قد وقعوا في الأشهر الماضية علي عريضة لإطلاق سراح حنفي ولد ده

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2009

قصة حنفي: حين يتنكر الوطن لأبنائه /الحسن ولد محمد المامي

حينما دلفت إلى قاعة المحكمة يوم 6/8/2009 انتابتني مشاعر يصعب تصديقها..كان ذلك في حدود العاشرة صباحا وكان علي أن أستجيب لطلب الشرطي البواب بضرورة إغلاق هاتفي وأن أبحث لنفسي عن مكان وسط جمهور لم أستطع للوهلة الأولى أن أتبين وجها مألوفا داخله.

كان المسرح حينها جاهزا، بل يمكن القول إن المحاكمة كانت على أشدها حيث المحامي ولد أبتي يخلط بمهارته المعروفة بين السياسة والقانون ليكشف تهافت التهم الملفقة، ومع ذلك لم أتأكد تماما من أن المتهم المعروض على عدالة المحكمة هو من كنت أبحث عنه..ليس لأن التهم التي تقذف بها النيابة لم تكن تناسبه فحسب، بل أيضا لأنه كان يدير ظهره للجمهور أمام القاضي مباشرة وكأن هذا "التقليد الموريتاني" يريد الإيحاء بأن المواجهة هي في النهاية بين القاضي والمتهم وحدهما وأن الادعاء والدفاع ليسا أكثر من لاعبي أدوار ثانوية على خشبة المسرح!

لم تكن أول مرة أدخل فيها مثل هذه القاعة لكني توقعت أن أجدها على خلاف ما كانت عليه، توقعت جمهورا آخر وقضاة من صنف آخر .. غابت "الأم الصغيرة" وغابت أغلبية "عمال المصنع" ولم يتجاوز عدد القضاة اثنين: أحدهما جالس بدا كالطفل، مهموم بالسيطرة على القاعة أكثر من اهتمامه بالإصغاء للمرافعات والثاني واقف تنقصه الحجة والحماسة!

هل يمكن أن يحسم مستقبل حنفي بكل هذه السهولة؟ هكذا تساءلت حين أعلن القاضي -بتلقائية مفتعلة- تأجيل النطق بالحكم ليوم 19 أغسطس، ثم حين صدر الحكم الجائر بستة أشهر نافذة وبغرامة مالية، وحين استأنفت النيابة مصرة على تشديد الحكم؟

نعم يمكن أن يحسم مصير ألف حنفي وحنفي بهذه السهولة! هكذا أجبت وأنا أغادر سجن دار النعيم يوم 5/9 حين أدركت أن حنفي بات مجرد رقم في أذهان جلاديه. نعم يمكن أن يحدث ذلك بل يجب خصوصا إذا كان هناك -في مكان ما من هرم السلطة- من يطلب رأس حنفي.

من يطلب رأس حنفي؟

منذ البداية كانت اللعبة مكشوفة، فقصة حنفي لم تبدأ مع شكوى الرئيس مختار صار لأن قصة حنفي هي قصة الصراع التاريخي بين من يقولون لا ومن يفرضون نعم، وهي باختصار قصة انقلاب 6/8. فقد نالت كل المؤسسات المحترمة نصيبها من التحقير، وكل ما تعلمته النخب في مدرجات الكليات أو اكتسبته الجماهير المسيسة في حلقاتها تحول في لحظة هوس إلى "نظام بائد"! كان قانون القوة يشق طريقه على أنقاض قوة القانون! فبأي منطق ينجو منجنيق بحجم "تقدمي" من آثار زلزال مدمر بحجم انقلاب 6/8؟

لا نعرف على وجه الدقة أية قوة داخل النظام وضعت على سلم أولوياتها القضاء على "تقدمي"، لكن المؤكد أن القرار قد اتخذ في مكان ما وأن طاقات هائلة قد رصدت لتنفيذه. وحين نستعيد اليوم بهدوء شريط الأحداث سندرك بشيء من الوضوح حجم المؤامرة التي بدأت بمحاولة التدجين وانتهت بالحكم بسجن أحد أكثر الشباب الموريتانيين التزاما بقضايا التقدم والديمقراطية.

كم من كاتب مأجور دفعوا له من أجل تشويه صورة "تقدمي" ومديره الناشر؟ كم من موقع زرعوه على الشبكة لمضايقة تقدمي والتشهير به؟ كم مرة استخدموا التهديد ضد مراسلي تقدمي؟ ألم يفصلوا أحدهم من وظيفته ويلفقوا تهما ضد آخر أمام القضاء ويسجنوا آخر بتهم لم يعلن عنها حتى الآن؟ وكم مرة حاولوا –ببلاهة أسطورية- حجب تقدمي عن قرائه؟ هل يمكن أن يتصور وينفذ كل هذه المؤامرة أشخاص على هامش السلطة أو حتى من يوجدون في مستوياتها المتوسطة؟

كل الدلائل تشير إلى أن الأمر أكبر بكثير من أمثال ألئك، وإلا فلماذا تستميت النيابة في تلفيق التهم وتفرض الحبس التحكمي وتستأنف الحكم الجائر أصلا لمحاولة تشديده؟ وأكثر من ذلك -لو أن الأمر يتعلق بأشخاص هامشيين- لماذا حين أتيحت أكثر من فرصة لرئيس الجمهورية نراه يمتنع عن إضافة حنفي إلى لوائح المشمولين بالعفو؟ ثم لماذا نراه يتبع معه طريقته في التشهير مع الرئيس السابق ولد الشيخ عبد الله حين يقول للصحافة بأن "الأفضل لحنفي أن يبقى في السجن حتى لا يتم الاعتداء عليه"؟

البقعة المحرمة

حين نشاهد هذا الإصرار المستميت على إدانة حنفي، يكون من حقنا أن نتساءل من هو هذا الحنفي؟ وأي ذنب جناه لتدخل كل الجمهورية في حالة طوارئ من أجل تقييد أنامله؟

مع ذلك فحنفي شاب كغيره من الشباب الموريتانيين كان يمكن أن يقضي كل حياته متبتلا في هدوء من دون أن يثير أي اهتمام خارج وسطه التقليدي الضيق. كان يمكن أن يكون شاعرا مفلقا أو شيخا وقورا أو فقيها ورعا أو تاجرا متمرسا، كان يمكن أن يكون شابا نزقا من أبناء أحياء نواكشوط المترفة يمارس سرقة السيارات والخطف والاغتصاب! كان يمكن أن يكون وجيها قبليا أو موظفا فاسدا يمتهن النخاسة والتضليل ليعيش على حساب ميزانية الدولة! كان يمكن أن يعفي لحيته ويذهب في رحلة قصيرة ليعود محملا بالمتفجرات فيصول ويجول في العاصمة كأخطر إرهابي يهدد السكينة العامة!

نعم كان يمكن أن يكون كل ذلك وأكثر غير أنه اختار مهنة المصاعب، أي أن يكون صحفيا مناضلا لا يمتلك سوى جهاز محمول وشبكة من العلاقات تساعده على تأدية مهمته. ومن دون مبالغة يمكن القول بأنه استطاع أن يحقق نجاحا باهرا.

لقد مزج بمهارة بين نضالية جسورة تعرف كيف تتمسك بالمثل السامية وبين مهنية بارعة تعرف كيف تعيد للعمل الإعلامي رونقه وكيف تنقله من حضيض التزييف إلى قمة التنوير. ظل هادئا وديعا حين كانت مهمته غير معقدة وحين فرضوا عليه المواجهة استطاع بجدارة رفع التحدي.

فلأول مرة تجد وسائل الإعلام الرسمية نفسها محاصرة بمنافس لدود بات يتردد على كل لسان. والمنافس في قانون الدكتاتورية هو عدو يجب تحييده أو القضاء عليه. فعشرات آلاف الزوار يوميا لا يمكن أن تكون رقما مهملا في سجلات نظام يبني سياسته على المحافظة على الرأي العام داخل سجن قفصه الإعلامي الحديدي.

هنا تبرز مشكلة حنفي بكل وضوح حين تجرأ على دخول المجال المحظور، مجال نفوذ الإعلام الرسمي! لم يؤلف بالطبع كتاب "السياسة والخلفاء والأمراء" لكنه دخل البقعة المحرمة وكشف للجميع كم هي مهلهلة وفاقدة للمصداقية، فاستحق غضب السلطان وأصبح يتصدر قائمة المطلوبين.

وهنا يكمن عمق المأساة..ففي طرفة عين يتبخر ذلك الرصيد الذهبي الذي بناه الصحفي المناضل بجهود مضنية لصالح مواطنيه ووطنه، ويتحول هذا المواطن الغيور على تقدم بلده وازدهاره هدفا مشروعا يمكن لرجل أمن أو قضاء أن يمسخه ليجعل منه ما يريد. فالدولة –وهي الهيكل الأكثر نكرانا للجميل- لا تقيد في حساباتها تلك التضحيات التي تبذل من خارج أطرها لأنها لا تعترف بما وراء قدرتها على الضبط، وخصوصا حين تتماهى تلك الدولة مع نظام الحكم الذي يحكمها وحين يتحول رجالها إلى خدم مأجورين لدى الماسك بزمام القوة.

حساء المتسولين

حين يتحدد الهدف تصبح كل الوسائل مشروعة في سبيل تحقيقه. لا يهم ما إذا كان الرئيس صار ستقذف به الظروف ليقدم شكواه، فالنيابة جاهزة تحمل سلتها لتلتقط التهم من هنا وهناك تماما كما يلتقط المتسولون مكونات حسائهم!

فجأة يصبح حنفي متهما بالقذف والتحريض على التمرد والمساس بالأخلاق العامة... وفي أجواء المصالحة الوطنية (اتفاق دكار) يقتاد إلى السجن في حالة تلبس حتى لا يستفيد من الحرية المؤقتة التي قد يجود بها عليه هذا القاضي أو ذاك. ثم تصر النيابة بعد ذلك على أن لا يغادر السجن رغم تأجيل موعد محاكمته لكي لا تتزامن مع مراسيم تنصيب رئيس الجمهورية!

وداخل أروقة القضاء –ومنذ اللحظة الأولى- سيكتشف المراقبون تلك العلاقة الوطيدة بين فكرة القانون وبين إرادة القمع، إذ سيبدو القانون على حقيقته كإحدى تجليات القوة الغاشمة فيما ستبدو إرادة القمع واثقة من نفسها ممسكة بتلابيب القانون المنصاع –ببلادة- لإرادتها!

لا مجال هنا للتفكير في أن حرية التعبير والصحافة هي من الحريات "المميزة" التي يجب الحرص على ضمانها أكثر من غيرها، كما لا يهم ما إذا كان "الباعث الإجرامي" لعب دورا في الوقائع محل النظر ولا حتى ما إذا كان المتهم يجب أن يمثل أمام من يعتبرون أنفسهم قضاته، فكل الجهود منصبة باتجاه اعتصار الإرث التعسفي لإنزال العقاب بالمتهم! ليس الهدف هو تحقيق العدالة وإنما تطبيق "القانون"!

لم تصمد بالطبع تهمة القذف ولا تهمة التحريض على العنف –كما لم تصمد من قبل تهمة "إثارة العامة" على الحلاج- ليتم الاحتفاظ بتهمة "المساس بالأخلاق العامة" –الجاهزة أصلا في المخيال القمعي- وذلك بناء على مساهمات بعض قراء موقع تقدمي! يتجاوز الأمر هنا حدود الازدراء ليلامس حدود الغباء!

فبالإضافة إلى أن النشر في موقع تقدمي وفي غيره من المواقع لا يقع تحت طائلة سوط القاضي الموريتاني، فإن هذا الأخير لم يكلف نفسه عناء التمييز بين وسيلة إعلامية تقليدية تتعالى على المتلقين لتلقي إليهم بمعلومات جاهزة أو بتوجيهات مقدسة عليهم الانصياع لها –كما هي وسائل إعلامنا الرسمية وشبه الرسمية- وبين وسائل الإعلام المحترفة التي تشرك المتلقي معها فيما تقدم والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مسؤولة عن ما يطرحه المتلقون.

أم أن سيادة القاضي ينطلق فقط من كون موقع تقدمي موقع مقروء على الأرض الموريتانية ومن أن بعض صفحاته تتضمن ما يعتبره "مساسا بالأخلاق العامة" وبالتالي فمسؤولية حنفي قائمة لأنه من جعل تلك الصفحات في متناول الموريتانيين؟ سنسلم مع القاضي جدلا بصحة منطلقاته للحظة.

في هذه الحالة سيكون سيادته قد حكم أيضا على الدولة الموريتانية ب"المساس بالأخلاق العامة" لأنها جعلت في متناول الموريتانيين ملايين بل مليارات الصفحات المخلة بالأخلاق! ألم تربط الدولة كل الجمهورية بشبكة الانترنيت؟ كم من موقع على هذه الشبكة سيعتبره القاضي –انطلاقا من تصوره للمساس- مساسا بالأخلاق؟ كم عد زوار هذه المواقع يوميا من بين شبابنا وشيوخنا؟ لا تملك الدولة طبعا هذه المواقع غير أنها تجعلهم في متناول الزوار كما يفعل ذلك حنفي بل وأفضل وأغزر مما يفعله.

لا يكترث القاضي للتطورات الرهيبة التي جلبتها الثورة الاتصالية والتي حكمت على عهد تقوقع المجتمعات في صندوق الخصوصيات بالأفول، فزوار الشبكة هم الذين عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيعرضون أخلاقهم "للمساس" أم لا، ومهما بلغت شطارة حنفي فإنه لن يقدم لهم أخطر مما هو متاح أمامهم! ومع ذلك سيستمر هذا النوع من القضاة في التحكم في حريات المواطنين وحتى في درجة حرارة أخلاقهم!

إنها نظرة "باردة" للأخلاق وللتكنولوجيا الحديثة وللقانون، فبدلا من أن تكون مهمة القاضي هي التعامل برفق مع القواعد القانونية لكي تأخذ في الاعتبار التطورات التي تستجد، تصبح مهمته استدعاء التاريخ "وتجميد" النصوص لتتلاءم وأذواق من يمسكون بزمام السلطة.

أن يسجن حنفي من دون الحاجة إلى مبررات ومن دون مباركة القضاء تلبية لحاجة في نفس "يعقوب"، فتلك شنشنة نعرفه من أخزم. لكن أن يسجن باسم القانون وعلى أساس تلك التهم الواهية في ظرفية يكثر الحديث فيها عن موريتانيا الجديدة، فتلك لعمري قاصمة الظهر.

فتحية له يوم ناضل ويوم ظلم ويوم يطلق سراحه.

قصة حنفي: حين يتنكر الوطن لأبنائه /الحسن ولد محمد المامي

حينما دلفت إلى قاعة المحكمة يوم 6/8/2009 انتابتني مشاعر يصعب تصديقها..كان ذلك في حدود العاشرة صباحا وكان علي أن أستجيب لطلب الشرطي البواب بضرورة إغلاق هاتفي وأن أبحث لنفسي عن مكان وسط جمهور لم أستطع للوهلة الأولى أن أتبين وجها مألوفا داخله.

كان المسرح حينها جاهزا، بل يمكن القول إن المحاكمة كانت على أشدها حيث المحامي ولد أبتي يخلط بمهارته المعروفة بين السياسة والقانون ليكشف تهافت التهم الملفقة، ومع ذلك لم أتأكد تماما من أن المتهم المعروض على عدالة المحكمة هو من كنت أبحث عنه..ليس لأن التهم التي تقذف بها النيابة لم تكن تناسبه فحسب، بل أيضا لأنه كان يدير ظهره للجمهور أمام القاضي مباشرة وكأن هذا "التقليد الموريتاني" يريد الإيحاء بأن المواجهة هي في النهاية بين القاضي والمتهم وحدهما وأن الادعاء والدفاع ليسا أكثر من لاعبي أدوار ثانوية على خشبة المسرح!

لم تكن أول مرة أدخل فيها مثل هذه القاعة لكني توقعت أن أجدها على خلاف ما كانت عليه، توقعت جمهورا آخر وقضاة من صنف آخر .. غابت "الأم الصغيرة" وغابت أغلبية "عمال المصنع" ولم يتجاوز عدد القضاة اثنين: أحدهما جالس بدا كالطفل، مهموم بالسيطرة على القاعة أكثر من اهتمامه بالإصغاء للمرافعات والثاني واقف تنقصه الحجة والحماسة!

هل يمكن أن يحسم مستقبل حنفي بكل هذه السهولة؟ هكذا تساءلت حين أعلن القاضي -بتلقائية مفتعلة- تأجيل النطق بالحكم ليوم 19 أغسطس، ثم حين صدر الحكم الجائر بستة أشهر نافذة وبغرامة مالية، وحين استأنفت النيابة مصرة على تشديد الحكم؟

نعم يمكن أن يحسم مصير ألف حنفي وحنفي بهذه السهولة! هكذا أجبت وأنا أغادر سجن دار النعيم يوم 5/9 حين أدركت أن حنفي بات مجرد رقم في أذهان جلاديه. نعم يمكن أن يحدث ذلك بل يجب خصوصا إذا كان هناك -في مكان ما من هرم السلطة- من يطلب رأس حنفي.

من يطلب رأس حنفي؟

منذ البداية كانت اللعبة مكشوفة، فقصة حنفي لم تبدأ مع شكوى الرئيس مختار صار لأن قصة حنفي هي قصة الصراع التاريخي بين من يقولون لا ومن يفرضون نعم، وهي باختصار قصة انقلاب 6/8. فقد نالت كل المؤسسات المحترمة نصيبها من التحقير، وكل ما تعلمته النخب في مدرجات الكليات أو اكتسبته الجماهير المسيسة في حلقاتها تحول في لحظة هوس إلى "نظام بائد"! كان قانون القوة يشق طريقه على أنقاض قوة القانون! فبأي منطق ينجو منجنيق بحجم "تقدمي" من آثار زلزال مدمر بحجم انقلاب 6/8؟

لا نعرف على وجه الدقة أية قوة داخل النظام وضعت على سلم أولوياتها القضاء على "تقدمي"، لكن المؤكد أن القرار قد اتخذ في مكان ما وأن طاقات هائلة قد رصدت لتنفيذه. وحين نستعيد اليوم بهدوء شريط الأحداث سندرك بشيء من الوضوح حجم المؤامرة التي بدأت بمحاولة التدجين وانتهت بالحكم بسجن أحد أكثر الشباب الموريتانيين التزاما بقضايا التقدم والديمقراطية.

كم من كاتب مأجور دفعوا له من أجل تشويه صورة "تقدمي" ومديره الناشر؟ كم من موقع زرعوه على الشبكة لمضايقة تقدمي والتشهير به؟ كم مرة استخدموا التهديد ضد مراسلي تقدمي؟ ألم يفصلوا أحدهم من وظيفته ويلفقوا تهما ضد آخر أمام القضاء ويسجنوا آخر بتهم لم يعلن عنها حتى الآن؟ وكم مرة حاولوا –ببلاهة أسطورية- حجب تقدمي عن قرائه؟ هل يمكن أن يتصور وينفذ كل هذه المؤامرة أشخاص على هامش السلطة أو حتى من يوجدون في مستوياتها المتوسطة؟

كل الدلائل تشير إلى أن الأمر أكبر بكثير من أمثال ألئك، وإلا فلماذا تستميت النيابة في تلفيق التهم وتفرض الحبس التحكمي وتستأنف الحكم الجائر أصلا لمحاولة تشديده؟ وأكثر من ذلك -لو أن الأمر يتعلق بأشخاص هامشيين- لماذا حين أتيحت أكثر من فرصة لرئيس الجمهورية نراه يمتنع عن إضافة حنفي إلى لوائح المشمولين بالعفو؟ ثم لماذا نراه يتبع معه طريقته في التشهير مع الرئيس السابق ولد الشيخ عبد الله حين يقول للصحافة بأن "الأفضل لحنفي أن يبقى في السجن حتى لا يتم الاعتداء عليه"؟

البقعة المحرمة

حين نشاهد هذا الإصرار المستميت على إدانة حنفي، يكون من حقنا أن نتساءل من هو هذا الحنفي؟ وأي ذنب جناه لتدخل كل الجمهورية في حالة طوارئ من أجل تقييد أنامله؟

مع ذلك فحنفي شاب كغيره من الشباب الموريتانيين كان يمكن أن يقضي كل حياته متبتلا في هدوء من دون أن يثير أي اهتمام خارج وسطه التقليدي الضيق. كان يمكن أن يكون شاعرا مفلقا أو شيخا وقورا أو فقيها ورعا أو تاجرا متمرسا، كان يمكن أن يكون شابا نزقا من أبناء أحياء نواكشوط المترفة يمارس سرقة السيارات والخطف والاغتصاب! كان يمكن أن يكون وجيها قبليا أو موظفا فاسدا يمتهن النخاسة والتضليل ليعيش على حساب ميزانية الدولة! كان يمكن أن يعفي لحيته ويذهب في رحلة قصيرة ليعود محملا بالمتفجرات فيصول ويجول في العاصمة كأخطر إرهابي يهدد السكينة العامة!

نعم كان يمكن أن يكون كل ذلك وأكثر غير أنه اختار مهنة المصاعب، أي أن يكون صحفيا مناضلا لا يمتلك سوى جهاز محمول وشبكة من العلاقات تساعده على تأدية مهمته. ومن دون مبالغة يمكن القول بأنه استطاع أن يحقق نجاحا باهرا.

لقد مزج بمهارة بين نضالية جسورة تعرف كيف تتمسك بالمثل السامية وبين مهنية بارعة تعرف كيف تعيد للعمل الإعلامي رونقه وكيف تنقله من حضيض التزييف إلى قمة التنوير. ظل هادئا وديعا حين كانت مهمته غير معقدة وحين فرضوا عليه المواجهة استطاع بجدارة رفع التحدي.

فلأول مرة تجد وسائل الإعلام الرسمية نفسها محاصرة بمنافس لدود بات يتردد على كل لسان. والمنافس في قانون الدكتاتورية هو عدو يجب تحييده أو القضاء عليه. فعشرات آلاف الزوار يوميا لا يمكن أن تكون رقما مهملا في سجلات نظام يبني سياسته على المحافظة على الرأي العام داخل سجن قفصه الإعلامي الحديدي.

هنا تبرز مشكلة حنفي بكل وضوح حين تجرأ على دخول المجال المحظور، مجال نفوذ الإعلام الرسمي! لم يؤلف بالطبع كتاب "السياسة والخلفاء والأمراء" لكنه دخل البقعة المحرمة وكشف للجميع كم هي مهلهلة وفاقدة للمصداقية، فاستحق غضب السلطان وأصبح يتصدر قائمة المطلوبين.

وهنا يكمن عمق المأساة..ففي طرفة عين يتبخر ذلك الرصيد الذهبي الذي بناه الصحفي المناضل بجهود مضنية لصالح مواطنيه ووطنه، ويتحول هذا المواطن الغيور على تقدم بلده وازدهاره هدفا مشروعا يمكن لرجل أمن أو قضاء أن يمسخه ليجعل منه ما يريد. فالدولة –وهي الهيكل الأكثر نكرانا للجميل- لا تقيد في حساباتها تلك التضحيات التي تبذل من خارج أطرها لأنها لا تعترف بما وراء قدرتها على الضبط، وخصوصا حين تتماهى تلك الدولة مع نظام الحكم الذي يحكمها وحين يتحول رجالها إلى خدم مأجورين لدى الماسك بزمام القوة.

حساء المتسولين

حين يتحدد الهدف تصبح كل الوسائل مشروعة في سبيل تحقيقه. لا يهم ما إذا كان الرئيس صار ستقذف به الظروف ليقدم شكواه، فالنيابة جاهزة تحمل سلتها لتلتقط التهم من هنا وهناك تماما كما يلتقط المتسولون مكونات حسائهم!

فجأة يصبح حنفي متهما بالقذف والتحريض على التمرد والمساس بالأخلاق العامة... وفي أجواء المصالحة الوطنية (اتفاق دكار) يقتاد إلى السجن في حالة تلبس حتى لا يستفيد من الحرية المؤقتة التي قد يجود بها عليه هذا القاضي أو ذاك. ثم تصر النيابة بعد ذلك على أن لا يغادر السجن رغم تأجيل موعد محاكمته لكي لا تتزامن مع مراسيم تنصيب رئيس الجمهورية!

وداخل أروقة القضاء –ومنذ اللحظة الأولى- سيكتشف المراقبون تلك العلاقة الوطيدة بين فكرة القانون وبين إرادة القمع، إذ سيبدو القانون على حقيقته كإحدى تجليات القوة الغاشمة فيما ستبدو إرادة القمع واثقة من نفسها ممسكة بتلابيب القانون المنصاع –ببلادة- لإرادتها!

لا مجال هنا للتفكير في أن حرية التعبير والصحافة هي من الحريات "المميزة" التي يجب الحرص على ضمانها أكثر من غيرها، كما لا يهم ما إذا كان "الباعث الإجرامي" لعب دورا في الوقائع محل النظر ولا حتى ما إذا كان المتهم يجب أن يمثل أمام من يعتبرون أنفسهم قضاته، فكل الجهود منصبة باتجاه اعتصار الإرث التعسفي لإنزال العقاب بالمتهم! ليس الهدف هو تحقيق العدالة وإنما تطبيق "القانون"!

لم تصمد بالطبع تهمة القذف ولا تهمة التحريض على العنف –كما لم تصمد من قبل تهمة "إثارة العامة" على الحلاج- ليتم الاحتفاظ بتهمة "المساس بالأخلاق العامة" –الجاهزة أصلا في المخيال القمعي- وذلك بناء على مساهمات بعض قراء موقع تقدمي! يتجاوز الأمر هنا حدود الازدراء ليلامس حدود الغباء!

فبالإضافة إلى أن النشر في موقع تقدمي وفي غيره من المواقع لا يقع تحت طائلة سوط القاضي الموريتاني، فإن هذا الأخير لم يكلف نفسه عناء التمييز بين وسيلة إعلامية تقليدية تتعالى على المتلقين لتلقي إليهم بمعلومات جاهزة أو بتوجيهات مقدسة عليهم الانصياع لها –كما هي وسائل إعلامنا الرسمية وشبه الرسمية- وبين وسائل الإعلام المحترفة التي تشرك المتلقي معها فيما تقدم والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مسؤولة عن ما يطرحه المتلقون.

أم أن سيادة القاضي ينطلق فقط من كون موقع تقدمي موقع مقروء على الأرض الموريتانية ومن أن بعض صفحاته تتضمن ما يعتبره "مساسا بالأخلاق العامة" وبالتالي فمسؤولية حنفي قائمة لأنه من جعل تلك الصفحات في متناول الموريتانيين؟ سنسلم مع القاضي جدلا بصحة منطلقاته للحظة.

في هذه الحالة سيكون سيادته قد حكم أيضا على الدولة الموريتانية ب"المساس بالأخلاق العامة" لأنها جعلت في متناول الموريتانيين ملايين بل مليارات الصفحات المخلة بالأخلاق! ألم تربط الدولة كل الجمهورية بشبكة الانترنيت؟ كم من موقع على هذه الشبكة سيعتبره القاضي –انطلاقا من تصوره للمساس- مساسا بالأخلاق؟ كم عد زوار هذه المواقع يوميا من بين شبابنا وشيوخنا؟ لا تملك الدولة طبعا هذه المواقع غير أنها تجعلهم في متناول الزوار كما يفعل ذلك حنفي بل وأفضل وأغزر مما يفعله.

لا يكترث القاضي للتطورات الرهيبة التي جلبتها الثورة الاتصالية والتي حكمت على عهد تقوقع المجتمعات في صندوق الخصوصيات بالأفول، فزوار الشبكة هم الذين عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيعرضون أخلاقهم "للمساس" أم لا، ومهما بلغت شطارة حنفي فإنه لن يقدم لهم أخطر مما هو متاح أمامهم! ومع ذلك سيستمر هذا النوع من القضاة في التحكم في حريات المواطنين وحتى في درجة حرارة أخلاقهم!

إنها نظرة "باردة" للأخلاق وللتكنولوجيا الحديثة وللقانون، فبدلا من أن تكون مهمة القاضي هي التعامل برفق مع القواعد القانونية لكي تأخذ في الاعتبار التطورات التي تستجد، تصبح مهمته استدعاء التاريخ "وتجميد" النصوص لتتلاءم وأذواق من يمسكون بزمام السلطة.

أن يسجن حنفي من دون الحاجة إلى مبررات ومن دون مباركة القضاء تلبية لحاجة في نفس "يعقوب"، فتلك شنشنة نعرفه من أخزم. لكن أن يسجن باسم القانون وعلى أساس تلك التهم الواهية في ظرفية يكثر الحديث فيها عن موريتانيا الجديدة، فتلك لعمري قاصمة الظهر.

فتحية له يوم ناضل ويوم ظلم ويوم يطلق سراحه.

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

اتحاد الصحفيين العرب يطالب بإطلاق سراح الصحفي حنفي ولد دهاه


جدد اتحاد الصحفيين العرب مطالبته بإطلاق سراح كل الصحفيين القابعين في السجون العربية، مؤكدا على ضرورة انفتاح الأنظمة العربية على الرأي الآخر،وجاء في البيان الختامي لاجتماع الأمانة العامة والمكتب الدائم أن "الإتحاد يضم صوته إلى صوت رابطة الصحفيين الموريتانيين في المطالبة بإطلاق سراح الصحفي الموريتاني ولد دهاه المعتقل منذ 18يونيو الماضي .
وتأتي توصيات الإتحاد بعد نقاش معمق لتقارير نقابات وروابط الصحفيين العرب خلال الاجتماع الملتئم بالقاهرة، خلال اليومين الماضيين، وقد تناول تقرير رابطة الصحفيين الموريتانيين خلال المؤتمر ما أدعى أنه " تطمينات من الرئيس المنتخب محمد ولد عبد العزيز على أن من أولوياته تعزيز التعددية في الرأي، والاستجابة للعريضة المطلبية ، فيما تم تفعيل الاتفاق الذي بموجبه تمول خزينة الدولة حاليا 80% من تكاليف نشر الصحافة المستقلة عبر المطبعة الحكومية وفتح معهد لتكوين الصحفيين"
ووصفت رابطة الصحفيين ذالك الاتفاق بـ الهام والمحوري في استمرار صدور الصحف، لما تعانيه من شح في الموارد" مضيفة في تقريرها أن "الأهم كونه غير مشروط بمولاة أو معارضة خلافا لجل الأنظمة العربية".
وخلصت الرابطة في تقريرها أمام اتحاد الصحفيين العرب إلى القول " إننا نناشد السلطات الموريتانية وبإلحاح، إطلاق سراح سجين الرأي الوحيد في موريتانيا، الزميل الصحفي حنفي ولد دهاه، ونعتبر سجنه مخلا بصورة بلدنا في الداخل والخارج".

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

مبادرة اطلاق سراح الزميل حنفي في الولايات المتحدة تنظم وقفة امام البيت الابيض وتصدر بيانا


نظمت يوم أمس مبادرة اطلاق سراح الصحفي حنفي ولد دهاه في الولايات المتحدة وقفة امام البيت الابيض داخل ساحة الحرية في واشنطن حضرها نشطاء من الجالية وكذلك بعض الاجانب
وفي نهاية هذه الوقفة وزع المحتجون بيانا اكدو فيه انهم رغم اختلافهم السياسي يجتمعون لمناصرة حرية التعبير الذي هو من اسس الديمقراطية مطالبين السلطات باطلاق سراح الزميل حنفي والغاء عقوبة الحبس في ميدان النشر وهذا نص البيان الذي حصلت عليه وكالة الطواري
بيان
لقد قامت السلطات الموريتانية في يوم 18.6.2009 باعتقال المدير الناشر لصحيفة تقدمي الالكترونية, الحنفي ولد الدهاه وتوجيه خمس تهم تتعلق بالنشر اليه هي السب و التشهير في حق السياسي الموريتاني صار ابراهيما ونشر محاضر التحقيق الابتدائي مع بعض معتقلي التيار السلفي و كتابة مقالات تحرض على العصيان المدني و المساس بالاخلاق الحسنة و الاساءة الى علاقات موريتانيا مع بعض دول الجوار.
وهي تهم برئت المحكمة منها سجين الراي الحنفي ولد الدهاه لتدينه بالسماح لنشر مقال في صفحة المنتديات وصفته النيابة الموريتانية بالمساس بالاخلاق الحسنة وحسب بيانات اللجنة عن الكاتب الصحفي , فقد سجلت في اعتقاله عدة خروقات قانونية وانسانية ابتداءا باعتقاله التعسفي دون مدكرة توقيف , اضافة الى سجنه التحكمي بعد انتهاء فترة الحجز الاحتياطي.
ورغم ان تجمعنا الدي يضم مختلف الرؤى والمشارف الفكرية والسياسية قد لا يتبنى بالضرورة الخط التحريري لصحيفة تقدمي , الا انه يعتبر ان حق التعبير هو احد المقدسات التي لا ينبغي المساس بها في ظل دولة القانون .
كما نعتقد ان موقف صحيفة تقدمي المناوئ للانقلاب لاينبغي ان يكون سببا يدفع اصحابه ثمنه قمعا وتعسفا ومصادرة راي ومن هدا المنطلق فاننا نطالب بالاطلاق الفوري لسجين الكلمة , حنفي ولد الدهاه .
كما ننتهز الفرصة لندعوا السلطات الموريتانية لمراجعة عقوبة سجن الصحفيين التي اصبحت مجاوزة .
وندعوها ايضا بمزيد من بسط الحريات وتمكين الصحفيين من النفاد الى الخبر , شاجبين تراجع بلادنا في تصنيف منظمة مراسلين بلا حدود من الرتبة 70 الى الرتبة 100 ومعتقدين انه لن تتعزز الديمقراطية في بلد لا تصان فيه حرية التعبير.
والله الموفق
مبادرة اطلاق سراح حنفي ولد الدهاه

الاثنين، 2 نوفمبر 2009

عزيز: الصحافة بشمركة ومن الأفضل لحنفي دهاه البقاء في السجن



قال محمد ولد عبد العزيز، رئيس النظام في موريتانيا، إنه من الأفضل لناشر موقع تقدمي، حنفي ولد دهاه، أن يبقى رهين المحبس كي لا يعترض سبيله أحد من الذين يكتب عنهم كل يوم..إنهم يمكن أن يقتلوه أو يخطفوه لذا فإن السجن أفضل له لدواع أمنية صرفة".
وجاءت تصريحات عزيز في إطار لقاء جمعه منذ لحظات بالصحفيين الموريتانيين طالب فيه بعضهم بإطلاق سراح ولد دهاه الذي يعتبرونه سجين قضية سياسية .

وقد أجمعمن التقتهم تقدمي من وفد (نقابة الصحفيين الموريتانيين) على أنه عاد خالي الوفاض من لقاء جمع مكتب النقابة صباح اليوم بمحمد ولد عبد العزيز في القصر الرئاسي.

وقال عضو في مكتب النقابة - في تصريح لتقدمي - "لقد عدنا بخفي حنين، فبعد أن استعرضنا أهم المشاكل، فاجأنا ولد عبد العزيز بالقول إننا مجموعة من البشمركة عموما، واتهمنا بمحاباة من وهبنا، وسب من منعنا، ثم تساءل عن ماذا سنقدم له في مقابل تلبية مطالبنا؟" وأضاف عضو المكتب " لم يرق الخطاب المتعالي للبعض فبادر الزميل هاشم سيدي سالم من قناة (الحرة) بالتأكيد على أن الصحافة حاملة لرسالة وأن أعضاء الحكومة الحالية بدورهم حفنة من البشمركة لا خبرة لهم ولا مستوى..ثم تدخل الزميل الشيخ ولد سيدي عبد الله (صحراء ميديا) مستغربا أسلوب ولد عبد العزيز في وصف الصحافة وقال: نحن مرآة عاكسة لواقع تطبعه الارتجالية واللامسؤولية حتى من قبل السلطات العليا.. بعدها أختلط الحابل بالنابل ولم يعد ولد عبد العزيز يصغي لنا ولم نعد نصغي إليه".

وأضاف عضو مكتب النقابة إن " لقد تفه الرئيس النقابة معتبرا أن بعض مطالبها غير شرعية حارما بعض أعضاء المكتب من الكلام، كما قال إن قناة الحرة قناة أمريكية غير مهمة وأن حرية قناة الجزيرة مرتبطة بأهواء الحاكم القطري، ولا يمكنها أن تتناول سياسته بالنقد..أحرى الصحافة الموريتانية.."


أما بالنسبة للأمين العام للنقابة فقد أصدر بيانا ، خلص فيه إلى أن ولد عبد العزيز لم يتعهد -فعليا- بأكثر من "بحث الآلية المناسبة لحل متأخرات زيادة رواتب عمال المؤسسات العمومية والبدء في إجراءات افتتاح مركز لتكوين الصحفيين بالمدرسة الوطنية للإدارة" في الوقت الذي لا يعتبر أغلب أضاء المكتب أن اللقاء كان مثمرا، ومنهم من يرى أن "التكوين على هذه الطريقة بمثابة المزيد من التقليل من شأننا كحملة رسالة".

قضية المدير الناشر لتقدمى تطرح بإلحاح فى الداخل وفى الخارج



علمت صحيفة تقدمي أن قضية مديرها الناشر قد طرحت على خلال لقاء نقابة الصحفيين مع الوزير الأول يوم الخميس بعد أن طالبت منظمة مراسلون بلا حدود من رئيس موريتانيا،خلا ل لقائها به فى فرنسا، بإلقاء العقوبة فى قضايا النشر فى موريتانيا.


و ذكر رئيس نقابة الصحافة في موريتانيا، أن قضية حنفى ولد دهاه مطروحة على أي أجندة فى أي لقاء لمسؤول وفى أي لقاء بأية بعثة تزور موريتانيا، ككالقاء ببعثة اليونسكو بالرباط قبيل أيام، وهي ضمن العريضة المطلبية فى أول لقاء سيتم مع الرئيس ولد عبد العزيز.


ويذكر أن المدير الناشر لصحيفة تقدمي حنفي ولد الدهاه يقبع فى السجن منذ يونيو الماضي، ولم يستفد الزميل حنفى من الحرية المشروطة بسبب الإستئناف الذي تقدمت به النيابة.

السبت، 17 أكتوبر 2009

نداء لاطلاق سراح الزميل حنفي ولد داهاه


يكمل زميلنا حنفي ولد داهاه اليوم شهره الرابع في السجن بتهمة لايعلم الاالله من قدم فيها الشكوي فزميلنا دخل السجن بعد شكوي مقدمة من صار ابراهيما وجرت محاكمته علي اساس تلك الشكوي لاكن الحكم صدر بادانته بسبب تهم اخري لم يعرف الي الان من قدم الشكوي فيها
الزميل حنفي يدفع الان ضريبة حرية الفكر والكلمة ويدفع الذين هم وراء ادانته نفس الضريبة لاكن في تقييد الفكر والكلمة
شتان ما بين اليزيدين في الندي يزيد سليم واغر ابن حاتم
يزيد سليم سالم المال و الفتي الازدي للمال غير مسالم

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2009

قوى التقدم يعتبر اعتقال حنفي خرقا لإتفاق دكار


دعا اتحاد قوى التقدم مجموعة الاتصال الدولية إلى التدخل بسرعة لوقف اعتقال المدير الناشر لصحيفة "تقدمي"، حنفي ولد دهاه "باعتبار هذا الاعتقال يشكل خرفا فاضحا لاتفاق دكار الذي ألغى المتابعات القضائية ذات الصلة بالأزمة الدستورية في البلد".

ورفض الحزب التقدمي الاتهامات الملفقة ضد ولد دهاه،معتبرا أن "ذنبه الوحيد إنما هو موقفه الشجاع وموقف الموقع الذي يديره في مواجهة الاستيلاء على السلطة بالقوة وكفاحه الدؤوب من أجل عودة الديمقراطية إلى وطنه".

وجاءت هذه التصريحات في إطار بيان صحفي وزعه الحزب وحصلت تقدمي على نسخة منه هذا نصها:

بيان تضامني مع الصحفي اللامع حنفي ولد دهاه



بتاريخ 18/06/2009، تعرض الصحفي اللامع والمدير الناشر لموقع تقدمي الذائع الصيت لعملية اختطاف من طرف قوات القمع. وقد تأكد فيما بعد أنه اقتيد إلى مخافر الشرطة السياسية لتوجه إليه تهمة القذف ضد السياسي والمترشح للرئاسيات ابراهيما مختار صار.


ومنذ ذلك التاريخ وهو يقبع في سجن دار النعيم الذي أصبح منذ انقلاب 6 أغشت مأوى لضحايا الانتقام وتصفية الحسابات.


ولقد عجزت النيابة العامة عن إثبات التهم الموجهة إليه بما في ذلك تهمة القذف ضد صار ابراهيما التي أسقطتها المحكمة، كما رفض المدعي الحضور أمام المحكمة للدفاع عن شكايته. ومع ذلك تمت إدانة حنفي بالسجن لمدة 6 أشهر.



إن المكتب الوطني لإتحاد قوى التقدم، المنعقد في 29،28،27 :

1 -
يرفض الاتهامات الملفقة ضد هذا الصحفي، ويعتبر أن ذنبه الوحيد إنما هو موقفه الشجاع وموقف الموقع الذي يديره في مواجهة الاستيلاء على السلطة بالقوة وكفاحه الدؤوب من أجل عودة الديمقراطية إلى وطنه؛


2 –
يدين بشدة هذا الحبس التعسفي، ويطالب بإطلاق سراح حنفي ولد دهاه بدون قيد ولا شرط

.

3 –
يدعو كافة الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني إلى التضامن مع هذا الصحفي المناضل.



4 –
يهيب بمجموعة الاتصال الدولية إلى التدخل بسرعة باعتبار هذا الاعتقال يشكل خرفا فاضحا لاتفاق دكار الذي ألغى المتابعات القضائية ذات الصلة بالأزمة الدستورية في البلد.



5 –
يتعهد بمواصلة النضال جنبا إلى جنب مع القوى الديمقراطية وكل القوى المتشبثة بالحرية وحقوق الإنسان والعدالة، حتى إطلاق سراح الصحفي حنفي ولد دهاه.




نواكشوط في 2/9/2009
المكتب الوطني

الأحد، 30 أغسطس 2009

الإتحادية العالمية للصحفيين تطالب بالإفراج الفوري عن الزميل حنفي ولد (...)


أعلنت الإتحادية العالمية للصحفيين، أن الحكم على المدير الناشر لصحيفة "تقدمي" الزميل حنفي ولد دهاه، هو حكم قاس وسياسي. مضيفا المدير الجهوي في إفريقيا لمكتب المنظمة، غابرييل غابلو، في تصريح صحفي لوكالة ألجيري فوكس القول: "يجب إطلاق سراح زميلنا حالا"، معلنا أن استبقاء اتهام واحد من بين الأحكام الستة المتهم بها حنفي هو دليل على سياسية الحكم ضده.
وكانت الغرفة الجزائية لدى محكمة ولاية نواكشوط، قد أصدرت حكما بالسجن النافذ في حق الزميل حنفي ولد دهاه مدة ستة أشهر.

الخميس، 27 أغسطس 2009

حنفي ولد دهاه... أنت الحر الطليق / اعل الشيخ احمد الطلبة

السجن امتياز للمبدعين ولا يمكن أن يدخله إلا الذين ناضلوا وقاوموا وبرهنوا على قدرة البوح بالحقيقة في دائرة السلطة من أمثال حنفي ولد دهاه. السلطة التي تحاول دائما فرض حقيقتها الخاصة والعمل على ترويض جميع الوسائل المتاحة لذلك، فالبناء النسقي للدولة القمعية الحديثة في موريتانيا لا يسمح بأي هامش من الحرية للتعبير ولا يسمح للمثقفين العضويين أن يتكلموا أو أن يبوحوا، فالبوح جريمة في أرض يراد لأهلها أن يخرسوا للأبد.

بالنسبة لي، إن تهمة حنفي هي أنه أمتلك قلما وفكرة وإرادة للتغيير. ليس حنفي هو أول من لفقت له هذه التهمة النبيلة ولن يكون الأخير. فهذا أحمد مطر في لافتاته يشكوا من ألم القلم و يواجه نفس التهم حين يقول:

حبس الطبيب خافقي
وقال لي:
هل ها هنا الألم ؟
قلت له نعم
فشق بالمشرط جيب معطفي
وأخرج القلم !
**
هز الطبيب رأسه.. ومال وأبتسم
وقال لي:
ليس سوى قلم
فقلت: لا يا سيدي
هذا يد.. وفم
رصاصة.. ودم
وتهمة سافرة.. تمشي بلا قدم

أصبر يا أخي حنفي فأنت على الطريق الصحيح ولن يكون باستطاعة أي سلطة أن تقهرك ولا أن تمنع صوتك وكتابتك وأفكارك أن تنور طريق الموريتانيين، ستظل عباراتك و مقالاتك رماحا في نحور الشرذمة و الزمرة المتواطئة. كلما حاولوا منعك والتضييق عليك كلما تحول كل مثقف إلي حنفي ولد دهاه. أخي أنت الحر الطليق ونحن السجناء. أنت حر بمواقفك الرجولية وثباتك على مبادئك و قناعاتك.

سأعود إلي عبارة -المثقف العضوي – الذي أعتقد انه الوصف المناسب للزميل حنفي، هذه العبارة التي أطلقها المثقف الإيطالي أنتونيوا كرامشي في بداية القرن العشرين على كل مثقف يستمد أفكاره من داخل المجتمع ويحاول الدفاع والتعبير عن أفكار وطموحات وآمال الطبقة المهمشة والمحرومة.

إذن حنفي هو ذلك المثقف الذي لم يرد إفسادا ولا علوا في الأرض وإنما أراد أن يجعل هموم الوطن مثل الرغيف اليومي والخبز في الصباح، أراد لكل موريتاني وموريتانية أن يقرأ عن وطنه، أراد أن يهدي ويمنح للمهمشين بصيرة و قدرة على الكلام والتعبير، بل كان معلما لفن فضح كواليس الحكومة التي لا تخدم مصالح شعبها. فلماذا كلما أردنا الإصلاح أصبحنا مجرمين في نظر السلطة؟ لماذا يمنع الكلام والفهم على بعض الناس ليصبح سلعة مدعومة لآخرين؟ ألا يجوز أن نسمع من هو ضدنا؟ هل يحق أن نلوم ونحاكم الآخرين على الكتابة عنا ؟ أليس من الحري أن لانفعل ما يمكن أن نلام عليه ؟

قد يكون حنفي مثقفا علمانيا بمفهوم ادوارد سعيد أو مثقفا ثائرا حسب كاياتري سبيفك، لكن سبب اختياري لعبارة كرامشي هو ما بدى لي من أوجه التشابه بينه وبين حنفي من حيث طريقة الكتابة والأسلوب وحتى تجربة السجن بسبب شكاية أحد السياسيين. سوف لن أستفيض في ذكر التاريخ السياسي لكرامشي فهو معروف. لكن ما ليس معروف بالنسبة لكثير من الناس هو الأسس الفكرية التي بنا عليها هذا المفكر فلسفته في رسائله التي كان يهربها من السجن. فهو من نحت عبارة –الهيمنة الثقافية- التي تعني فيما تعنيه أن تسيطر ثقافة المحسوبية والزبونية والموالاة والتواطئ و التكالب على السلطة على حساب الشفافية وحرية التعبير والمساواة و الأمان.

أخي العزيز، إن تجربة السجن فريدة من نوعها فهي أنجع وأجمل طريقة للتصالح مع الذات، السجن هو أفضل فضاء للتفكير كما تقول الكاتبة نوال السعداوي بأن : -أي كاتب أو مبدع أو مثقف لابد له من النزول في السجن ليكتسب صوته ويجد ذاته الضائعة و يعيد ترتيب الصور المتراكمة في ذهنه ليخرج نفسه من حالة الضياع الفكري-.

أنت لاتستحق السجن، بل كان من المفروض أن تمنح وسام الجمهورية للشجاعة والإبداع و التنوير. كانت كتاباتك أشبه بتدوين للتاريخ السياسي لموريتانيا المعاصرة من وجهة نظر الشباب. لا تحزن لأن القوم لم يفهموا قصدك . هناك كثر يفهمون ويقدرون لك كل مجهود ويشهدون لك بالإبداع والموضوعية والوطنية بين يدي التاريخ.

اليوم موريتانيا للأسف لا تزال في ظل و حماية الشيوخ ومجموعة من المتوسلين لزعماء القبيلة والمدافعين عن أفكار لا تتماشى مع المرحلة الحرجة والمنعطف التاريخي الذي تمر به موريتانيا، ولكن غدا سيزول الرعيل القديم ويندثر الحرس القديم تحت جنادل الأقلام. غدا عندما نفرض أنفسنا، بل عندما تصبح موريتانيا ملكا لأبنائها ستكرم وسيكرم كل الذين ضحوا بأيامهم ولياليهم و أوقاتهم وأقلامهم لخدمة هذا الوطن الغالي النبيل الذي يعترف لك بكل شيء على الرغم من محاولة البعض تكميم الأفواه وصم الآذان.

الأحد، 23 أغسطس 2009

محاكمة حنفي، وواقع الحرب المستمرة على الإعلام الحر


عبد الفتاح ولد اعبيدن مدير يومية "الأقصى"
تؤكد محاكمة الزميل حنفي وحكمها الصادر طبيعة التوجه الراهن، المتمثل في مواجهة الإعلام الموريتاني المستقل بأعتى صور التعويق والحرب، حيث مازالت سهولة الإدانة والزج داخل عتمة السجون، تشكل الطريقة المثلى في نظر الجهات المعنية للتعامل مع الكلمة الحرة!!!.
ستة أشهر وغرامة ثلاثين ألف أوقية، ومن قبلها سنة نافذة في حقي وغرامة ثلاثمائة مليون أوقية، هذا هو الدعم السخي والتشجيع الذين يقدمونه لصاحبة الجلالة في موريتانيا.
إذن، مازال الحال على حاله كما يقال، ومازالت النظرة النمطية للإعلام الحر في مستوى التناقض والعداء، وليس التعايش والرفق والتعاون الإيجابي، وإن جاء الحكم الأخير ضد الزميل حنفي ولد إدهاه أقل قسوة، رغم بعده عن قانون الصحافة، ومحاربة أصحاب الأقلام من زاوية أخرى أكثر غموضا ومطاطية "المساس بالأخلاق الحسنة".
وفي إنتظار إنحسار هذا التوجه السلبي ضد الأداء الصحفي المسالم الجاد.
أقول إن الأمة التي تحارب الكتاب وتشجع الانقلابات وتبارك تزوير الانتخابات وتسكت على المساس الفعلي من مصالحها في الجوهر والعمق، لن تفلح في التغيير، على الأقل، في الوقت القريب المنظور، ومن يكتب من المخالفين للرأي المهيمن "الإنقلاب، تزوير، تلاعب مستمر بما وجد من المال العام".
إنما يكتب قصد التجسيد السلمي التدريجي للتغيير المنشود، ونحن صابرون على كلفة الحق مهما تنوعت ضروب هذه الحرب المشينة الساقطة، ولن تنال من عزائمنا إن شاء الله، والله نسأل لزميلنا الصبر والثبات وندعو كافة الزملاء والإعلاميين –داخليا وخارجيا- إلى بذل جهد مضاعف للإطلاق الفوري لسراح الزميل المعتقل المظلوم حنفي قرب الله فرجه، آمين.
إنه الفساد الحقيقي والتلاعب المكشوف بالحكم العمومي وما ترتب عليه من مقدرات ومعاني واسعة متنوعة، تؤثر على كل ساكنة هذا البلد، وفي المقابل يسارعون إلى التكبيل المستمر للصحفيين، وتوريتهم خلف القضبان. الداكنة الموحشة، وسط جو من الأغلال والقيود المعنوية والمادية لا يكاد ينتهي، إلا ليبدأ من جديد.
إنها فعلا مأساة القلم والفكرة والأمل في وطننا العربي الكبير، أو على الأصح سجننا العربي الكبير.
ولكن الليل مهما طال ظلامه سينجلي إلى فجر جديد قطعا بإذن الله.
ومن الملاحظ أن اقتصار الصحفيين على الاستنكار النظري عبر بيانات وكتابات فحسب، مهما كانت أهميته، لا يكفي من ديون الاحتجاج السلمي الصريح المباشر، عبر وقفات منظمة متواصلة، بغية إيصال الصوت الصحفي الحر، الرافض للخنوع والقيد والسجن والتغريم والظلم المتصاعد المزمن المؤلم.
خمس سنوات من المواجهة، بين طلاب الديمقراطية الحقيقيين، ودعاة التغيير والتنوير السلمي عن طريق الكلمة الحرة المقدسة، وخمس سنوات في المقابل من رفض الإذعان لصوت الحق والمنطق الحضاري المتميز.
حيث أن ما تم من عراك وشكاوى منذ دجمبر 2005، ضد جريدة "الأقصى"، وما هو متواصل ضدها من أذى معنوي وحصار ملموس مضن، كله داخل في سياق هذا الصراع السلبي الطبيعي بين الحق والباطل، وما معاناة الزملاء في موقع "تقدمي" ممثلة بشكل خاص في إعتقال مديرهم السيد حنفي ولد إدهاه، إلا جزءا معتبرا من هذه الحرب الممنهجة ضد الصحافة المستقلة في موريتانيا.
والله نرجو أن يفك العقول والنفوس من هذه المواجهة العقيمة، فنحن لن نسكت عن ما نراه حقا يستحق المساءلة والبحث والتمحيص، والجهات المعنية ينبغي أن تصبر وتجتهد من أجل الابتعاد عن الظلم وتحميل قضايا النشر ما لا تحتمل، فتفسير جميع متاعب شخص أو حزب أو مؤسسة بمجرد حرف كتب أمر لا يستساغ ويدل على تأزم عميق في العلاقة مع الكتابة الصحفية.
ثم إن حبس الصحفيين إثر نشر صادر في منبر إعلامي مأذون يجسد إستمرار هذه الظاهرة المعوقة للفكر الحر المستنير، ويدعو إلى تجديد المطالبة بإلغاء حبس الصحفيين بعد مزاولتهم لمهامهم المشرفة الأخلاقية.
ومن جهة ثانية المحاكمة وفق مواد قانونية خارجة عن القانون المختص "قانون الصحافة"، يدل على الإستهزاء العملي المتعمد بهذا القانون، الذي لم يرسم ليكون أوراق ميتة لا مفعول لها، رغم النواقص والشوائب الكثيرة، والتي من أظهرها إقراره عقوبة الحبس في حق الناشر.
ومما يحسن التوقف عنده في هذا المعنى المثبط لهمم الإعلاميين مفهوم تكريس المواجهة، بدل التعاون أو التشجيع، فهذا المسار العقابي -لو وضعنا في الحسبان معه- واقع الصحافة المالي والتنظيمي والتكويني فإنه يدل على إحتمال غياب الكثير من الصحف والصحفيين من مسرح الأداء والممانعة. لأن كل المؤشرات تقريبا، تؤكد أن الدولة -خصوصا الجهات التنفيذية والقضائية-مع تناغم بعض رجال الأعمال مع هذا التوجه السلبي تتجه إلى المزيد من الحصار المانع لوجود صحافة جادة، وإن كان لزاما أن توجد، فلتبقى –ولو كانت مؤيدة متزلفة- في حاجة شديدة للمال، وخائفة مترقبة من المصير الموعود المجهول!!!.
وفي النهاية سيكون من الصعب، تكريس واقع إعلامي مستقل في الموقف والتمويل والتوجه، إلا مع شق الأنفس وتكلف السباحة الخطيرة، ضد التيار الجارف المستأصل.
وعلى العموم سيبقى أيضا، مهما إشتدت الهجمة، أفراد –ولو قلة-صابرون متطلعون، صوب الهدف السامق الصعب، تحرير العقول والنفوس. وبالتالي الأقلام وهي السلاح الأول للتغيير-من الخوف والتبعية إن شاء الله.
وسيكون من الضروري بذل جهد حقيقي للوقوف على حقيقة ما يجري من تصعيد ضد الصحفيين-لمجرد كتاباتهم-، لأن الأمر يستبطن مباركة لمنهج العداء والمواجهة، بدل التكامل والتعايش، ويشرع الدكتاتورية والإستبداد وأحادية الرأي في أعلى تجلياتها، ويجعل ما يدعي من قوانين تحمي الإعلام والكلمة الحرة فخا فحسب، للإيقاع بهواة الحرية في أتون السجون والمآزق المتواصلة المتوالدة.
ونأمل أن تصدر الأحكام يوما لصالح الحق وأمل التغيير السلمي نحو الأحسن، بعيدا عن الجو العام السائد في ربوع بلدنا وإفريقيا عموما والوطن العربي خصوصا.
وإن إستمر هذا التجاهل والتحامل، فستفضي هذه الأوضاع القاسية الثقيلة الراهنة إلى مستويات قد لا تحمد عقباها على واقع الحرية، وما تحقق من هامش إعلامي محارب بإستمرار، في صور الإدانة وسجن الصحفيين، وقتل مشاريعهم الإعلامية، وتحزين محيطهم الأسري، ووقف الطموح نحو إعلام حر جاد مستقل فعلا.

السبت، 22 أغسطس 2009

افتتاحية "بلادي": قضية "حنفي"


مالذي يثير كل هذا الهجوم والعداء ضد الصحفي الشاب، مدير الصحيفة الإلكترونية "تقدمي"، حنفي ولد دهاه؟ هذا الشاب الموهوب والمفعم بالتوثب وصاحب القلم القادح نال لتوه عقوبة ستة أشهر في السجن نافذة بسبب "المساس بالحياء"، التي هي التهمة الأساسية من بين أخريات، تم استبقاءها ضده.
وللغرابة فلقد أسقطت تهمة ابراهيما صار (رئيس التحالف من أجل العدالة والديمقراطية-حركة التجديد) ضده، والتي على أساسها تم اعتقال زميلنا.
ولكنهم أصروا على تقييده واستخرج له القاضي هذه المفهوم بالمساس بالحياء الذي هو جنحة مبطنة في القانون الجنائي ولا ينبغي له بطبيعة الحال أن يطبق على الجنح الصحفية حيث يسير هذه المهنة قانونها الخاص الذي تم إصداره في جملة إطلاق الحريات الصحفية في قانون تم تبنيه في 2006.
واصل القضاة جهلهم -أو تظاهرهم بجهل- هذه خصوصية واستمروا في الحكم على الصحفيين انطلاقا من مواد القانون الجنائي. خروج على حرية الصحافة المرخصة والمضمونة من قبل القانون الأساسي. ولقد حاول الدفاع عبثا تبيان الفرق. اتضح أن الأمر يتعلق بهجمة يصعدها النظام ضد ولد دهاه لأسباب غير معلنة أو غير قابلة للإعلان، وأصروا على أن يدفع ثمن جسارته ووقاحته في نقد ونشر أسرار "ما كان ينبغي له معرفتها". هذا هو الأمر المحتمل أكثر من غيره لأن صحفي "تقدمي" لم يكن مسجونا منذ 26 يوليو في بأي أمر توقيف. وحتى القاضي الذي أدانه نفى أن يكون قد استصدر مذكرة حجز له. ياللغرائب.

أمر طبيعي. إن عدالتنا في الواقع رهينة تواضعها وتبعيتها لسلطة الأمر الواقع. هل ستستيقظ من سباتها؟ الإجابة صعبة.
ولكن مهما يكن من أمر فإنه حان الوقت لنقاش العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان بعد الفاصل الترفيهي التعيس لانقلاب 2008 وليكن ذالك النقاش الآن وبشكل جدي، بلا نفاق ولا مثيل. يجب أن نتوقف عن رمي الناس في السجن بسبب تصفيات الحسابات الخسيسة معهم بسبب أفكارهم.
لا يسعنا في هذا إلا أن أن ندعو إلى إلغاء جنح الصحافة من أجل الدفاع عن الحرية وترسيخ الديمقراطية. إن الأمر لا يحتاج لأي أموال. كل ما يتطلبه هو قليل من الشجاعة والحداثة والإيمان بالذات.

*صحيفة بلادي، عدد 363 بتاريخ 20 أغسطس 2009-08-23

"نجدة العبيد" تندد بحس الصحفي حنفي ولد الدهاه وتدعو لإطلاق سراحه


نددت منظمة نجدة العبيد بحبس الصحفي حنفي ولد الدهاه مدير موقع تقدمي الالكتروني، ووصفته بأنه انتهاك خطير لمهنة الصحافة، وناشدت المنظمة في بيان صادر عن رئيسها ببكر ولد مسعود منظمات حقوق الإنسان والسلطات الموريتانية من أجل القيام بأي مبادرة تمكن من تضع حدا لسجنالصحفي حنفي ولد الدهاه.
وجاء في البيان ما نصه:"إثر اعتقال وسجن الصحفي والكاتب حنفي ولد الدهاه، مدير موقع "تقدمي" الإلكتروني، بادرنا بالتنديد بشدة وقوة بهذا الانتهاك الخطير لمهنة الصحافة التي تعتبر شكلا مفضلا من أشكال التعبير عن الرأي؛ لقد كان المستهدف بهذا الانتهاك كاتبا وصاحب قلم فذ عرف بعمله ونضاله الدؤوب ضد استخدام القوة للوصول إلى الحكم، وضد الظلم والعنف واختلاس ونهب الأموال العمومية وكافة أشكال الجرائم والتجاوزات الاقتصادية. لقد قام المتهم وصحيفته بإنجاز تحقيقات موثقة وجيدة حول مجموع المواضيع المثيرة والخطيرة في موريتانيا.كما نشجب كذلك كافة مظاهر خرق حقوق الإنسان التي شابت التعامل مع هذا الملف من طرف النيابة العامة. إن الملاحقة دون أساس قانوني والبحث المحموم عن شاكين أو مدعين، أو عن دوافع لاستخدامها في اتهام المعني، قد بلغت كلها في هذه القضية حدا جنونيا لدرجة جعلت القضاة والشرطة يعملون ويتحركون في ديناميكية مشتركة لم يسبق لها مثيل وخارج الإطار القانوني.وفضلا عن إبقاء حنفي ولد دهاه مدة طويلة على هذا النحو في الحبس الاحتياطي كما لو كان قاتلا، فكم كانت مفاجئتنا كبيرة عندما تمت ملاحقته بعد انتهاء أجل أمر الإيداع، الذي انقضى يوم 26/07/2009. وهكذا وعلى الرغم من الاحتجاجات التي قام بها دفاع حنفي، لدى وكيل الجمهورية ومديرة إدارة السجون، مع توجيه نسخة منها إلى وزارة العدل، فقد ظل ولد دهاه قابعا في السجن.وعندما قام القاضي، في حكمه الصادر بتاريخ 19/08/2009، بتبرئة حنفي ولد الدهاه، من معظم التهم الموجهة إليه، لعدم وجود نص قانوني نافذ قابل للتطبيق حول الصحافة الإلكترونية، فإننا نستغرب مع ذلك إدانته بسبب رأيه، ودون أي دليل.ولذلك فإننا نوجه نداء عاجلا إلى منظمات حقوق الإنسان والسلطات الموريتانية من أجل القيام بأي مبادرة تمكن من وضع حد للسجن – دون موجب أو سند في ظل انعدام أمر الإيداع، للصحفي حنفي ولد الدهاه، هذا الصحفي المناضل ضد كافة أشكال الحصانة من العقاب والتمييز ونهب واختلاس المال العام في موريتانيا".انواكشوط بتاريخ 20 أغسطس 2009عن المكتب التنفيذي، الرئيس/ ببكر ولد مسعود

حنفي ولد دهاه: محاكمة الإفشين/ أبوالعباس ولد ابرهام


كان الإفشين قائدا عظيما في دولة المعتصم. قدم خدمات جليلة للأمة: قاد الفتوحات وجلد المتهاونين وأمد الدولة الفتية بدم جديد. أخاف الرجعيين فلفقوا له تهما وتعاونوا مع القاضي ورجال البلاط من أجل إثبات الزندقة عليه. وحكموا عليه.
2
في القرون الوسطى عندما كان يلقى القبض –أخيرا- على أحد الثوار كان يوضع مكتوفا على نقالة قذرة ويطاف به في الشارع الرئيسي في طريقه للمحاكمة غير العادلة. في ذالك الشارع العريض تحدث أسوأ علامات النفاق السياسي: عشرات المواطنين يبدؤون في رشق الثوري بالطماطم العفنة، يتراقصون ويتصايحون ضده بأقذع الهجاء والقذف. الكل يسارع في إبراز ولائه للملك الجبان بالإساءة للبطل. الثوري شامخ الرأس بأنفة غريبة بينما جموع الحطابين والباعة المتجولين والدكانيين والسماسرة يقودهم القاضي ووكلاءه وينضم لهم مهرجو المدينة وخصيو زوجة الملك يتسابقون لنيل جائزة الحاكم لصاحب أقسى ضربة تدمي وجه الإنتفاضي.
يجب استدعاء هذه الصورة اليوم في محاكمة حنفي ولد دهاه: عشرات الراشقين الذين لما ينظفوا أياديهم من الطماطم العفن في رشقه يتزاحمون عند باب حاجب السلطان مطالبين بإبراز صفاتهم كراشقين للثوري في انتظار عبارة "ادخلهم". عندئذ، يبدأون بالتقديم المألوف:"سيدي أنا صاحب التلفيقة الفلانية في حقه" و "أنا صاحب الحجارة في جبينه". بعد إذن يدخلون مباشرة في الموضوع الذي هو طلب ترقية أو جائزة.
يجب ختم هذه الصورة بأنه رغم كثرة هؤلاء الأعداء فإن لا أحد منهم يعاني من مشاكل شخصية مع المتهم. بل على العكس هم يتعاطفون معه داخليا -ربما- ولكن القضية قضية حياة بالنسبة لهم. هذا التهافت الذي يجرد الإمسان من إنسانيته هو بالذات مادفع حنفي للكتابة أصلا، وما دفعهم لمحاكمته. إنها جدلية بهذا التبيان.
حتى قبل اعتقاله كان واعيا بهذه الممارسة وكتب متوسلا: " إلهي إنه زمن تستن فيه الفصال حتى القرعى، ويجر فيه الثرى ذيله على الثريا... اللهم إنك تعلم انهما هاجماني بأمعائهما، فهيئ لهما علي الطوى كريم المأكل، ويسر لهما ما يملأ الوعاء، ويسكت الامعاء. و لاتجعل من الحبر الاسود طعاما لكاتب، ولا تجعل من امتهان الكلمة وسيلة طاعم او شارب".
3
في "قضية حنفي" تم خداعي مرتين: المرة الأولى عندما اعتقدت أنه لم يعد في خطر المتابعة السياسية بعد اتفاق دكار. كان قد حزم حقائبه في طريق العودة وقد بدأت عشرات الأصوات القلقة بشغل خطه ناصحة له بعدم العودة بحجة عدم استقلال القضاء ونية النظام متابعته. أجمع جميع المخلصين على حكم واحد: "حنفي، لا تعد. إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك". اثنان فقط خدعا: أنا وحنفي. انتصر انخداعي العقلاني في حينه على تعاطفهم الواقعي في غير حينه. عاد.
جاء انخداعنا، نحن الإثنين، من تعاملنا مع الأنظمة السابقة. كنا قد بدأنا منذ مطلع القرن في نقد الأنظمة الحاكمة بشكل يومي ولقد أكسبنا هذا خبرة في طبيعة الأنظمة القمعية في هذه البلاد. كل هذه الأنظمة قاسية بحق معارضيها: تمنعهم حق التنفس. ولكنها تتفق في شيئ واحد: لا تميل إلى صنع الأعداء كما أنها تميل وقت السلم الأهلي إلى نبذ الإنتقام السياسي. كان حنفي على رأس المطلوبين لما سببه من إحراج يومي وكشف مساوئ النظام، ولكننا اعتقدنا اللحظة السلمية لإتفاق دكار ستقضى على نشوة الإنتقام السياسي. كنا تماما كمفاوضي دكار الذين انخدعوا بقرب إطلاق سراح السجناء السياسيين مع الإنطلاقة الأولى للمفاوضات.
لهذه الأسباب نصحته بالعودة، ولهذه الأسباب انخدعت. اليوم يعرف الجميع أنني لم أكن وحدي في ذالك: إن طبقة سياسية بأكملها قد انخدعت باتفاق دكار.
هذا نظام غير مسبوق هنا في الإنتقامية وعدم الإجترار. إن عزائي الوحيد هو أن هذه النقطة بالذات، نقطة مطاردة السحرة، ستكون نهاية النظام. هذه هي بداية النهاية.
خدعت للمرة الثانية عندما اعتبرت محاكمته أمرا قضائيا يجب السكوت عنه حتى اللحظة الأخيرة. قضى "حنفي" خمسة أيام في معتقل للشرطة يؤرقه السهاد في حضرة أربعة مفوضين للشرطة يسألونه عن مصادر "تقدمي" و المسئولين عن إعطاء الخبر الفلاني والفلاني. خمسة أيام مليئة بالإنتهاكات القانونية وخالية من الراحة ويتم فيها الإتصال بعدة أطراف من أجل حثها على رفع قضايا ضده، ومع ذالك مازال هنالك من يتعلل بأن هذه قضية قضائية وليس سياسية.
عندما تم تكييف التهم جاءت نفس الحجج القديمة في خنق الحرية: التحريض وقلقلة الأوضاع والإساءة للأخلاق العامة ونشر ما لا ينشر، ثم أخيرا القذف. ولقد تم التحكم في حبسه خرقا للشروط القانونية حتى يستوى الأركون على عرشه ويرى رأيه فيه.
رغم كل هذه الإجراءات والتهم السياسية صراحة قال راشقو حنفي: لا، القضية قضية قذف.
4
لم يكن حنفي الكاتب شيئا مقارنة بحنفي الإنسان. ورغم كثرة أعدائه السياسيين والمذهبيين لم يكن له أعداء شخصيون. وحتى إن وجدوا فإن عدائهم الشخصي بدأ سياسيا ومذهبيا.
أنا وهو اشتركنا نفس المحيط الأسري (تقريبا)، ولكن علاقتنا لم تكن قرابية بأي حال. التقينا لأول مرة في 1999 وعلى أساس نضالي محض.
كان قد قطع شوطا قبلي في محاربة القيم الفاسدة في المجتمع، ولقد حدد شخوصا بعينها. ويبدو أنه قد نشر بعض أعماله في شكل "ساميزدات" (مناشير يرفض الجميع نشرها فينشرها المعارض السوفياتي على حسابه). قرأتها، وعندئذ كان من المهم التعرف عليه.
كنا في أوج العهد الطايعي وقمة التحول القيمي المصاحب له، وكان وجود صوت انشقاقي يشبه اكتشاف بشري بعد القضاء على الحياة بنيزك هائل. استمعنا بشغف لبعضنا. كنا عندها قد حسمنا خياراتنا بالعمل ثوريا لمصلحة المعذبين في هذه الأرض. كانت نقاشاتنا التقدمية مليئة بالشفقة على الإنسان ورغم سخريتنا وفكاهيتنا أحيانا إلا أننا تقاسمنا هما عميقا بضرورة الإلتزام بقضايا المظلوم.
كان انطباعي الأول هو أن هذا الفتى ثورة: إنه لا يحتاج لكل الطريق الفلسفي الذي أشقه لكي يتوصل إلى قيم النسبية. بدا لي أنه حقق فتحا فكريا من تلقاء نفسه في احترام الإختلاف وتحكيم الديمقراطية. كان قادرا على وقف الضحك في قمة النشوة بالنكتة لينبه على بعدها العنصري أو الإرهابي منهيا أخلاقية التورط في الضحك لها. كان قادرا على علمنة القيم: تأويلها عقلياعلى ضوء مسلمات الحرية والعدالة. من أين أتى بكل هذه الطفرة؟ هل هي أسفاره ومعايشته للشعوب وسكنه بين مختلف المحيطات الإجتماعية؟ هل هو جو الإختلاف ودائرة معارفه الشخصية الهائلة؟ أم هل هو تكييفه بين العلوم المحظرية التي درس سبعة عشر عاما مع الثقافة الحديثة التي ظل ينهم منها طول الفترة وبعدها؟ شيئ ما بين هذا وذالك أنقذه من بذاءة الإبستيمى في عصره.
كنا ثوارا. كنا ضد النظام من أصله. لم نكن كبقية المعارضة التي تتصارع مع النظام على السلطة. عرفنا أن هنالك قانونا واحدا للأسد والثور، ولقد بحثنا عن قانون جديد. كنا ضد النظام الريعي الذي يركز السلطة في يد الحكومة وتتحكم فيه هذه في الدولة، وبالتالي تستخدم العصبويات والفساد في خلق التبعية. لقد رأينا بشكل عيني كيف ينعكس هذا على المبادئ. شاهدنا بارتياع كيف يباع الإنسان ورأينا آلاف الأرواح النبيلة (سابقا) تنحدر في نخاسة عدمية، ودققنا عن قرب فيما ذهب إليه فوفنارغ من أنه حيثما يرغب الإنسان أن يباع فإنه يجد شارين.
جاءت انتفاضته من لحظة الوعي الكيشوتي بكارثية المال على الأخلاق: "آه أيتها الأشياء التي تلمع التي تجعل السيد عبدا والعبد سيدا". ولقد اتفقنا بتصحيحية يسارية بأن يجب فعل شيئ لإنقاذ الإنسان. كنا نعرف أنه خيار مؤلم ولكننا كنا غارقين في محنة فولكنر: أن نختار بين العدم والألم.
اخترنا الألم.
5
خلص حنفي إلى أن اللحظة الطائعية حاسمة وأن هذه فرصة الضمائر الحية في الهجوم. إنني أتذكره في ذالك الصيف وهو يرد علي بتأتأته المألوفة (عندما انتقدت أسلوبه في الهجوم المباشر) بينما يعد كأسا من القهوة بالبن، بأن هذه الللحظة حاسمة من تاريخ البلاد وأن أصحاب الأخطاء يجب أن يكشفوا بأفظع الكلمات. فتح زاوية "حروف النار" في "القلم" فيما التحقت به أنا بصفحة "بالهمس". كانت حروف النارجنة الثوري: جحيم لكل قوى الظلام. نصب في ذالك العمود خوازيقا للرموز الطائعية وشنقهم فيه في كل حرف. أخذ بنصيحة دالي: أيها الرسام، إذا أردت أن تحقق شيئا في المجتمع يجب عليك، منذ صباك الأول، أن ترفسه رفسة قوية بالساق اليمنى. أدرك أن الإستفاقة لا تأتي إلا من الهزة المتولدة من تلك الرفسة. ولقد ألقى برفساته الأدبية عشرات التنانين في تنور محكمة الأخلاق.
كان الجميع يستغرب من أن حنفي الخلوق هذا هو حطيئة الطائعيين ولم يكن يوم الخميس، موعد صدور الجريدة، يوما سعيدا لأي مسئول طائعي. كانوا يخرجون رؤسهم من تحت الملاءة ارتعاشا: "أينا عليه الدور هذه المرة؟". وأكثر ما كان يزعجهم هو إبداعه الأدبي. ولقد نظر أبو الصحافة الموريتانية، حبيب ولد محفوظ، يوما في إحدى رفساته بشغف ثم تبسم قائلا: إن "هذا يحوى كثيرا من الأدب وكثيرا من قلة الأدب." كانت موهبة حنفي هي تقديم "قلة الأدب" بكل الأدب. كان يقدم رأس المفسد في طشت من ذهب. استطاع في ذالك لوقت المبكر تحدي الحكيم الذي أقر بقدرة الفنان أن يحتوي المثقف ولكنه أنكر العكس.
كان حنفي هو ذالك العكس.
ذهب حنفي إلى أن هؤلاء الإنتهازيين هم من بدأ بشتم الشعب عن طريق استباحة أمواله ووقته. وبالنسبة له كان طبيعا جلدهم بحروف النار. إن لا يفعل فإننا جميعا نخاطر بالدخول في مهزلة هنري دي منترلان: عندما يشتم الناقد الكاتب فإن ذالك يسمى نقدا ولكن عندما يشتم الكاتب الناقد فإن ذالك يسمى شتيمة. كانت مقاربته: لا قدسية. اضرب عنق الخائن.
التحقت بحنفي في القلم في 2003، عام الهيجان (أول عام يعلمنا متلازمة الإنقلاب والإنتخاب) وفتحت صفحة "بالهمس": أخذت موقعي في صف الفيلق المحارب للطائعية. كانت صفحة "بالهمس" صفحة رمزية ومعقدة، كما كان يقول لي القراء. قررت أن تكون "بالهمس" إلى جانب "حروف النار" رغم كل التناقض بين المباشرة هنالك وعدم المباشرة هنا. كان رأيي بأنه بدون صراحة حنفي لا يمكن فهم إضماري أنا. كان حديثي الهادئ هو ما يتبع هديره. كان يشق لي الطريق. كان الغروب وكنت طائر مينيرف. اليوم تبدو لي العلاقة أوضح من قبل: إن حنفي ينشر جثمان الرجعي بـ"حروف النار" أماأنا فأشرح جثته بـ"بالهمس".
كان حنفي مقدمة وبعده كانت تأتي الأشياء. كان باعة الجرائد يقلبون القلم عند عرضها على صفحة "الأخيرة"التي تضم حروف النار من أجل ضمان بيعها (من المحزن اليوم أن أحد راشقي حنفي قال إن شهرته الأدبية هي اختراع من آلته الدعائية، يقصد "تقدمي"، الذي لم ير النور سوى بعد ذالك بستة سنوات). كانت مقالاته تصنع موجات ارتداد مركزها في القراء ولكن أثرها يذهب تدريجيا إلى الجدالات الصالونية فإلى أحاجيج العامة.
لم تكن مجرد حروف. كانت أمواجا.
6
الطريق إلى حنفي في السجن في دار النعيم رحلة. قضيت الوقت وأنا أقرض أظافري بأسناني: "كيف سأعزيه عن سجنه؟ لست جيدا في المواساة." عندما دخلنا عليه انقلبت المعادلة. كان هو الذي يعزينا نحن. كانت معنوياته مرتفعة بشكل لا يوصف ولقد أطار أي شعور بالألم بنكاته وتعليقاته بحيث أننا تساءلنا: أينا المسجون؟
كان ذالك في أجواء الحملة الإنتخابية وقال لنا برؤيوية عميقة بأنه "إذا انهزم النظام سيطلق سراحي، أما إذا انتصر فستأتون أنتم لتقيموا معي." انتابتنا قشعريرة باردة رغم انجرافنا في الضحك.
روح النكتة وقوة الملاحظة لا تفارقه. صلب وقوي. سيخرج من كهفهم أصلب جذعا وأمر عودا. سيقضى فترتهم في شحذ سيفه. أنا واثق من أنه سيعيش أطول من جلاديه. جف القلم بتوفره على ماهو ضروري لذالك: الثورة والفن. ولقد كتب كامي أن الثورة والفن لايموتان إلا مع موت آخر إنسان.
الشيئ الوحيد الذي يمكن أن نتأكد منه في تقلب الزمان هو أنه سيكتب مقالة أخرى من حروف النار يوم سقوط النظام الحالي. إن لا يفعل، سنأخذها من أرشيفه. لسان حاله في هذا هو لسان حال عنترة بن شداد متوعدا ابني ضمضم الناذرين قتله:
إن يفعلا فقد تركت أباهما جزر السباع وكل نسر قشعم.
سينتصر. لقد فعلها من قبل.

لماذا تتمنون إطلاق سراح حنفي !؟/ سيدي علي بلعمش

الحكم بالسجن ستة أشهر على حنفي كان عادلا من بعض "الزوايا" و غير عادل من "بعضها" ... كان عادلا "سيلوجيسميا" لأننا في بلد يسجن فيه الأبرياء و يطلق سراح المجرمين و حنفي بريء ، فمكانه السجن إذن..

كان عادلا "ديمقراطيا" لأن الشعب الموريتاني اختار أن يعيش ذليلا و لم يفوضه لرفع الظلم عنه و لا للتحدث باسمه عن آلامه و آماله..
كان عادلا لأن القضاء وحده هو من يحدد المجرم من البريء ، و من حق السلطة (في غياب القضاء) أن تعتقل من فضح جرائم المفسدين (مع وقف التنفيذ) في انتظار أن يكون في بلادنا المختطفة قضاء ينطق بالحكم الفصل..
كان عادلا لأن الرجل اختار أن يقف في وجه السلطة و هذا مكان من يقف في وجهها في هذا البلد البائس ..
كان عادلا لأن حنفي نفسه قال إنه لا يرغب في العيش في بلد تحكمه الجزمات العسكرية و من حقه أن يعيش في منفاه الاختياري.. بل ليس من حق القضاء المؤتمن على حقوقنا أن يخرجه منه بعد ستة أشهر من دون أي إدانة ؟
كان عادلا لأن أكبر سجن لرجل ثائر يرفض استباحة الإنسان هو تركه يتعذب في شارع لا تمَّحي لوحة بؤس فيه إلا لتحل محلها أخرى ..
كان عادلا لأن العدل غائب في هذا البلد و لا توجد جريمة من دون مادة قانونية تنص عليها .. و لا مادة تمنع سجن بريء بلا قضية .. و لا "مادة" يدافع بها بريء عن نفسه ..
كان عادلا لأن العدالة عندنا من صنع الإنسان و التاريخ يصنعه الأقوياء و الوقائع يكتبها المنافقون ..
كان عادلا و نزيها و شفافا لأن قرار سجنه كان مرتبطا بنزاهة نتيجة الانتخابات المحسومة سلفا (فاسدا) و شفافيتها المحسومة خلفا (أفسد)..
كان عادلا لأن حساب مدة اغتصاب حريته عملية فلكية معقدة ترتبط باتجاه الريح و حالة الطقس و طبيعة الحكم و مزاج الحاكم و توجه المعارضة و مستوى الضغوط الدولية و اهتمامات الصحافة المحلية و معدل نسبة الأمطار لهذا الخريف و كانت كلها ضده ...
لكن ما حيرني في الحقيقة هو ضآلة أتعاب القضاء (21000) أوقية في هذه العملية الضخمة التي تطلبت حدود الثلاثة أشهر من الحسابات و التحضيرات و التكييف و التحريف والتصنيف و التزييف و التجريف و التسويف، مما يعني أن قضاءنا المبجل (و قدرنا العاثر) كان يتسلى بهذه القصة و هو ما يؤكده الحكم في بعض أوجهه: فمن المضحك جدا و من المسلي بكل تأكيد أن يقبض على حنفي بدعوى شكوى من طرف صار إبراهيما .. و يحقق معه على خلفية التحريض على التمرد و العصيان .. و تتم إدانته بجنحة المساس بالأخلاق الحسنة، تماما مثل الأعمى الذي يحفر في مكان و يبصق في مكان أخر و يردم مكانا ثالثا ؟
أليس في ما قامت به المحكمة هنا استغلال سيئ للقانون في حق صارـ الذي "ألعبوه" دور ثور التلقيح في هذه القصة ـ أكثر بكثير مما يتهمون حنفي بارتكابه في حقه؟
أليس من الغريب أن يتجاوز القانون هنا من ارتكبوا أفعالا تمس ب"الأخلاق الحسنة" (و هو تعبير غير قانوني في كل الأحوال) إلى من فضحها و صرخ بأعلى صوته استنكارا لها؟
لكن الحكم على حنفي لم يكن عادلا لأكثر من ذلك بكثير :
كان غير عادل لأن ستة أشهر نصف عام و حكم ولد عبد العزيز 5 سنين و هذا يعني كاريكاتيريا أن حنفي يعارض ولد عبد العزيز بنسبة 1/12 و هذا هو أكبر تجني من القضاء الموريتاني في حق حنفي الذي رسم خطته العشرية في مواجهة ولد عبد العزيز (المتشبث بنهج سلفه الصالح معاوية).
ـ كان غير عادل لأن ستة أشهر لا تكفي لكتابة ما يحدث في السجن إذا كان منشأة إصلاحية كما تدعي السلطة و لا ما يحدث خارجه إذا كان منشأة عقابية كما تفعل ..
كان الحكم على حنفي غير عادل لأن المساس بالأخلاق الحميدة ظل منذ زمن بعيد على رأس البطولات الوطنية، يتم تعيين الكوادر السامية على أساسه و تعين الحكومات لرسم خطط تحكمه : فمن قبلنا أسقط رئيسا لأنه بنى مسجدا في الرئاسة ؟ من قبلنا عير رئيسا بالعجز و قلة الحيلة لأنه كان صادقا ؟ من قبلنا عير رئيسا بالضعف لأنه كان رحيما بالناس ، حريصا على عدم إيذائهم ؟ من قبلنا أغرق جبلا من الصدق ببحر من الأكاذيب و جلس يحاكم الناس على المساس بالأخلاق الحسنة؟ أم أنكم تدينونه بتهمة ملامسة الأخلاق الحسنة بمعنى الاقتراب منها؟
لكن لماذا تبررون سجن حنفي و أنتم تسجنون وطنا كاملا بلا مبرر؟
لماذا تكيفون الحالات القانونية و أنتم في حل من القانون؟
كيف تغتصبون أرضا كاملة بلا خجل و لا وجل و تستحون من اغتصاب حنفي ؟ كم أنتم عادلون و منطقيون ؟
لقد سجن حنفي لأن محسن ولد الحاج وعد بها قبل نتيجة الانتخابات الشفافة .. لأن ولد عبد العزيز يريدها .. لأن قضاءنا لا يحكم إلا بمزاج السلطة و لا يقض البصر إلا بأمر منها : المضحك المبكي أن القضاة حين يصدر مثل هذا الكلام من سفيه مثلي يجهل القانون، يقولون إنه تطاول على القضاء و أساء إلى سمعة القضاة و يجب سجنه ؟
نحن نتمنى أن يشنق في الشارع كل من يسيء إلى القضاء أو يمس من سمعته لكننا نحتاج إلى قضاء نتحاكم إليه لنعرف هل من يصدرون الأحكام الجائرة على مزاج السلطة هم من يسيئون إلى القضاء أم من يأسفون على حدوث ذلك ؟
ما هذه المحاكم إلا مفوضيات شرطة في أسوأ ما يمكن أن تكون و قد تستطيعون إكراهنا على ما هو أكبر من السجن لكنكم مخطئون و ضعفاء حد الشفقة، إذا كنتم تعتقدون أنكم تستطيعون ـ مهما فعلتهم ـ أن تجعلونا نؤمن بعدالة الظلم.. و هيبة السخافة ..
ليس حرا و لا نبيلا و لا شهما و لا كريما من تستبيح أرضه عصابة نعرف تاريخ انحرافها واحدا واحدا و لا يدخل السجن.
أنا لم و لن أذهب إلى حنفي في سجنه ما لم يصدر أمر قضائي آخر بسجني (أعرف جيدا أنه يبحث الآن عن صاره و أن تقاريره السرية قد اكتملت و أن تكييف أحكامه و تفسيرها الفقهي معد سلفا) لأنني أرفض أن أحول السجن ـ كما يريدون ـ إلى مناسبة اجتماعية سعيدة و عادية نتبادل فيها الزيارات..
لأنهم مخطئون إذا كانوا يعتقدون أننا سنتعظ من سجن حنفي ..
و لم أذهب في يوم من الأيام لحضور "محاكمته" و لن أذهب إليها لأنني لن أذهب إلى مفوضية شرطة لحضور محاكمة: لن تجعلونا جزءا من مسرحياتكم السخيفة.
و لن أذرف دمعة حزن عليه إذا شنقوه، لأنني أرفض أن أساهم في تشويه أعظم لحظة و أعظم نتيجة يمكن أن يستحقها الإنسان.
أنا لست ممن يتمنون إطلاق سراح حنفي في هذا المناخ الموبوء لأنه من الأفضل لرجل لا يتعايش مع الظلم و القهر مثله أن يكون في السجن في ظروف بالغة الاستثنائية، مكشرة عن أنياب وقاحتها، كهذه.
ـ لست ممن يتمنون إطلاق سراحه لأنه من العار علينا أن تستباح أرضنا و أعراضنا و تستفز مشاعرنا و لا يكون من بيننا قتيل و لا سجين و لا متهم في ولائه..
لست ممن يتمنون إطلاق سراحه لأنه على أرض المليون جبان أن تفهم أن السجن شرف عظيم.. و أن الحرية استحقاق لا ينال من دون دفع ثمنه ..
لست ممن يتمنون إطلاق سراح حنفي لأنني لا أرى فرقا بين سجنه و سجن أي منا سوى أنه استحق فضلا ما زالت الأقدار تضن علينا به..
لست ممن يتمنون إطلاق سراحه لأن سجننا ليس أفضل حالا و لا أرغد عيشا و لا أقرب إلى الله..
لست ممن يتمنون إطلاق سراحه لأنه لن يدخل إلا سجنا أفظع إذا خرج من سجنه.